محمد بن محمد ابو شهبة
134
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
مشورات حكيمة لما نزل النبي بالمسلمين هذا المنزل قال الحباب « 1 » بن المنذر الخزرجي وكان معروفا بجودة الرأي والدربة في الحروب - لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدم أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال الرسول : « بل هو الرأي والحرب والمكيدة » ، فقال : يا رسول اللّه فإن هذا ليس بمنزل ، فامض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من الابار ، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول اللّه : « لقد أشرت بالرأي » ، ونفّذ ما أشار به الحباب . وقد دلّل النبي بهذا على تأصل روح الشورى في نفسه الشريفة فيما لم ينزل فيه وحي ، وأنه على جلالة قدره ، ووفور عقله ، وبعد نظره لا يستبد برأيه ، ولا يأنف من الرجوع إلى الحق ، كما هو شأن الكثيرين من القادة والزعماء والسياسيين ، فإن الواحد منهم قد يودي بأمة في سبيل التشبث برأي قد يكون خطأ ، وما ذلك إلا لأنه نبي يتبع ما يؤمر به ، وصدق اللّه : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ « 2 » . ومن المشورات الصائبة ، مشورة سعد بن معاذ الأوسي ، فقد قال : ( يا نبي اللّه ، ألا نبني لك عريشا تكون فيه ، ونعدّ عندك ركائبك ، ثم نلقى عدونا ، فإن أعزنا اللّه وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا ، فقد تخلّف عنك أقوام ما نحن بأشد حبّا لك منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك ، يمنعك اللّه بهم ، ويناصحونك ويجاهدون معك ) . فأثنى عليه النبي خيرا ، ودعا له بخير ، ثم بني
--> ( 1 ) الحباب : بضم الحاء المهملة وفتح الباء المواحدة المخففة . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 159 .